قال سيدي أحمد القشاشي في شرحه على الحكم العطائية عند قوله: وصولك إلى الله وصولك إلى العلم به، وإلا فجعل ربنا أن يتصل به شيء، أو يتصل هو بشيء.
الوصل لا يكون إلا عن شيئين، ولا يكون إلا عن فصل، ولا شيء من ذلك هنا، فأراد الشيخ رحمه الله أن يفهمك أنه هنا ليس عن شيئين اتصل أحدهما بالآخر بعد فصله منه، أو بعد كونه مفصولًا بذاته عنه، فليس وصولك إلى الحق عن فصل بينك وبينه لعدم إمكان الفصل؛ لأنك من وجه حقيقتك معلومه ومعلوم علمه، ومعلوم العلم أبدًا لا يفارقه، فكيف يتصل به وهو لم ينفصل عنه؟
ولأنك من وجهِ صورتِك فعلُه وأثره، والفعل لا يفارق الفاعل وإن ظهر عنه الفعل وظهر هو بالفعل، وهذا الظهور هو الذي أوجب ذكر الوصول إليه لتوهم الفصل، لأنك بعد الظهور تتوهم أنك مغاير ومنفصل ومستقل لعدم العلم، حتى إذا تقربت إلى الله بالنوافل فأحبك، وكان سمعك وبصرك ويدك ورجلك كما في الحديث الصحيح، كشف لك عنك ، وبصرك بك، وأسمعك منك من غير فصل ولا وصل، ووصلت بعد القطيعة وقربت بعد البعد الوهمي إلى علم اليقين أولاً، ثم إلى عين اليقين ثانيًا ثم إلى حق اليقين ثالثًا ولم تزل في ذلك مع طلب المزيد من الله لا إلى حد ولا إلى أمد.
قال تعالى: {وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةً} فاتصلت بالسمع بعد أن لم يكن عندك وهو علم، واتصلت بالبصر بعد أن لم يكن لك وهو علم، واتصلت بالأفئدة التي هي الفؤاد الذي هو القلب الذي هو العقل الذي هو الروح الإلهي الأمري من بعد أن لم يكن حاصلًا لديك بنفخ الحق فيك روحه، وهو العلم المعمور به، فعمّ أقطارك من حس ولمس وشم وذوق وجود ووجود بلا حدود.
فهذه هي حضرة وصولك وحضرة فصولك، كما قال الشيخ: "وإلا فجلَّ ربُّنا أن يتصل به شيء" لعدم الشيء من ذاته "أو يتصل بشيء" لأحديته بذاته من جميع جهاته من وجود عينه، فهو الوجود البحت الخالص الذي وجوده عين ذاته فلا يعتبر فيه الانفكاك بحال للمحال، فهو الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، فما اتصل به شيء ولا اتصل بشيء، "ان الله ولا شيء والآن الله ولا شيء وإن ظهر عنه كل شيء؛ لأن كان منسلخة عن الزمان فهي للدوام والاستمرار، فكان ولم يزل كما كان ولا شيء معه غيره مدى الدهور والأزمان، إذ لو اتصل به شيء أو اتصل بشيء لكان محتاجًا وهو الغني الحميد، أو كان مركبًا وهو الأحد المجيد، فهو الوجود المطلق الذي ظهر به كل شيء وليس بدونه شيء.