يحبهم ويحبونه - سيدي إسماعيل حقي البروسوي

قال سيدي إسماعيل حقي البروسوي في كتاب النتيجة:

قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾.

اعلم أن محبة الله تعالى قُدِّمت لأنه ما لم تكن جذبةٌ من الحق، لا ينجذب العبد إلى جانب الحق. فأول هذا المعنى هو الحب الذاتي الأزلي، ووسطه الفيض الأقدس العلمي، وآخره الفيض المقدس العيني، ونتيجته الإيمان والعمل الصالح. وهذا هو سرّ:"اعملوا فكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلِق له".

وجاء في الحديث القدسي: "كنت كنزًا مخفيًّا فأحببت أن أُعرف"،أي أن تقديم المحبة على المعرفة يدل على أن حكم مقام النزول هو الانتقال من المحبة إلى المعرفة، ويسمون ذلك مرتبة الاستجلاء، وهي المعرفة والشهود من مرتبة المظهر. وأما حكم مقام العروج فهو أن يحصل الترقي من المعرفة إلى مقام الحب الذاتي، وهذه هي مرتبة الجلاء. والحاصل أنه يُعتبر في كل تجلٍّ ابتداءٌ وانتهاء؛ فابتداؤه غيب الذات، وانتهاؤه شهادة الصفات. ومن هذا يظهر أن ظهور الصفات إنما يوجد بالتجلي الذاتي.

ولا توجد صفة يمكن اعتبارها بلا موصوف، لأن الصفة قائمة بالموصوف. ومن هذه الجهة ورد قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. أي ليس من الأعيان عينٌ إلا وقد تجلّى الله تعالى فيها بذاته المشتملة على الجلال والجمال. ولا يلزم من هذا أن يكون للحق عينٌ، بل يلزم ظهوره في العين، لأنه قبل خلق العين لم يكن لذاته ظهورٌ للغير، إذ لا يكون ظهور حيث لا يكون غير. فبالعين ظهر نور الذات والصفات. وكما ظهر التجلي بتعيّن القلب، فإن سَعَة قلب الإنسان للحق إنما هي بالتجلي، وهو الظهور بصورة العبد. ولا يلزم من هذا الظهور حصرٌ ولا تقييد، بل الحق، كما كان أولاً، باقٍ على إطلاقه الحقيقي الذاتي.

فالمعروفية المذكورة في الحديث القدسي هي المعروفية بحسب العبد، لا المعروفية بحسب الحق لأن هذا محال. فإذا وقعت جذبة الحق، ظهرت أولاً مرتبة المحبة، وهي أن يكون الحق محبًّا والخلق محبوبًا؛ وثانيًا أن يكون الخلق محبًّا والحق محبوبًا. وذلك لأن المحبة رابطة بين المحب والمحبوب، وحقيقة سرها تظهر في العروج في مقام قاب قوسين.

فإذا حصل الفناء الكلي في مقام أو أدنى، اضمحلت الاثنينية بالكلية. وإذا وقع النزول من مقام أو أدنى إلى مقام قاب قوسين ظهر الكمال الإلهي. أي كما يظهر في العروج الكمال الإنساني والمحبّية، يظهر في النزول الكمال الإلهي والمحبوبية، وهذا هو مقام حبيب الله.

فالحق أولاً هو المحبوب، أي في الدائرة الأولى، وثانيًا يكون العبد محبوبًا، أي في الدائرة الثانية. وكون الحق أولاً محبًّا، كما يُفهم من قوله تعالى ﴿يُحِبُّهُمْ﴾، هو بالنظر إلى ابتداء الإيجاد؛ وكونه ثانيًا محبوبًا هو بالنظر إلى ابتداء العروج؛ وكون العبد ثالثًا محبوبًا هو بالنظر إلى نهاية الكمال. لأن العبد في هذه المرتبة متخلّق بالصفات الإلهية وقابل قبولاً محضاً لتجليها، وهذا التخلّق والتجلي هو المراد من خلق العالم.

وتعلّق الذات بالصفات ظاهر؛ لأن الذات من حيث هي هي لا تكون محبوبة، بل تكون محبوبة من جهة صفاتها، إذ الصفات كمالات الذات، والكمال محبوب بالذات. والإنسان في مرتبة المحبوبية يخلص من الدعوى والامتحان، وهذا معنى قوله تعالى:﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. وأما بعض الأمور والآفات التي تعرض للبدن فهي من حكم البشرية؛ لأن الإنسان، ما دام في دار الامتزاج، أي في عالم اللطف والقهر، لا يخلص من الآفات بالكلية. وإنما موطن الخلاص هو دار البقاء الأبدية.