قال الشيخ صديق بن عمر خان العمري في قطف أزهار المواهب الربانية:
اعلم أن العارف إذا مدح انبسط لأنه لا يرى المدح إلا من الله كما لا يرى الذم إلا منه، فهو في كلا الحالتين - أي حالة المدح والذم - ينبسط بخلاف الزاهد، لأن الزاهد ينقبض في كلا الحالتين لكونه يرى ذلك صادراً من المخلوق حقيقة على خلاف الأول والزاهد بخلاف الجاهل لأن الجاهل في حالة المدح ينبسط وفي حالة الذم ينقبض لأنه واقف مع حظ نفسه.
ومما يدلك على أن العارف يشهد المدح والذم كلاهما صادراً من الحق حقيقة أنه مصغ بأطرافه إلى الأرض حياء من المادح له في الحضرة بلسان عبد من عبيده وهو بين يديه، لأن الوجود بأسره حضرة الحق وما من عبد وجد في الحضرة إلا وهو بين يديه.
قال تعالى: {مَا يَكُونُ مِن نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا}، فالعارف يطرق برأسه إلى الأرض إذا مدحه أحد في حضرته حياء من المادح له حقيقة، فيظن الجاهل أنه يفعل ذلك حياء من الناس. قال الجنيد - رضي الله عنه: مكثت أربعين سنة أخاطب الحق فيظن الناس أني أخاطبهم.
ودخل إنسان على عارف وشتمه شتماً عنيفاً وهو منصت خافض نظره إلى الأرض كالرجل المستحي من المؤدب له، فلما سكت، قال له : هل بقي عندك شيء مما تؤدبنا به؟ قال: لا، وقام من عنده وانصرف. فجاء شخص إلى الشيخ من أولاده وقال له: يا سيدي كيف سكتم عنه؟ لم لا تشكونه إلى الحكام؟ فقال له: يا ولدي ما صنع معنا شيئاً يوجب لنا أن نشتكيه بل إنما ذكرنا بعيوبنا وفي الحقيقة إن الله هو الذي أنطقه بذلك، فسكت حين سمع ذلك منه ولم يتكلم بعد ذلك. فتأمل رحمك الله في كمال هذا الشهود المشير إلى تحققه به وإلى إطراق رأسه إلى الأرض كالمستحي منه وهو يشتمه، يظهر لك أنه يشهد نفسه بين يدي الحق وهو يؤدبه بلسان عبد من عبيده، ولا شك أن العبد إذا مدحه سيده وهو بين يديه أو شتمه لتأديبه يغضّ طرفه ويطرق برأسه إلى الأرض حياء منه وهو مع ذلك يثني عليه إما بلسانه وإما بقلبه إذا منعه شدة الحياء عن النطق به خصوصاً إذا كان محسناً في حقه.