التخلص عن الهوى شرط لشهود أسرار ذات المولى - سيدي أحمد بن عجيبة

قال سيدي أحمد بن عجيبة قدس سره في شرح تائية شيخه البوزيدي: 
فلولا الهوى، أي عشق الكائنات الظلمانية، لما احتجب بهاء الحق وحسن جماله وأسرار ذاته وصفاته عن أحدٍ من العباد، لكن اشتغال النفس بالهوى والحظوظ الفانية حجبها عن شهود الأنوار القدسية والأسرار الربانية بعد ظهورها ووُضوحها، فلو زهدت في حظوظها وهواها لتَنَزَّهت في أسرار ذات مولاها.
لكن لا تجد النفس في الغالب إلا مطيعة لهواها أسيرة في يد مناها، لا يفكها عنه إلا خوف مزعج أو شوق مقلق أو صحبة ذي نور مُحْرِق، فكُنْ أيها الفقير لجيوش الهوى مُشَتّتاً ولعسكر النفس والشيطان مفرقاً إن شئتَ أن تكون لسرك محققاً وبشهود ربك متحققاً، فقد نصحتك أيها الحاذق اللبيب، فاقبل نصيحتنا إن كان لك في الخصوصية نصيب.
 فإنْ مِلْتَ إِلَى هواك وتبعته فَرَّقتْ عنك معناه وتباعدت، وعظمت دائرة حسّك واتسعت، وأقبل ليل وجودك بظلمة حسّه ورَعْدِ هَوْلِه في تدبيره واختياره. فإن شئت أن يدوم جَمْعُك بأسرار المعاني فلا تَمِلْ إلى عشق الأواني ولا تلتفت إليها طرفة عين.
ويكفيك في اتباع الهوى بقاؤك مسجوناً في عالمك، محصوراً بمحيطاتك، مسجوناً في هيكل ذاتك ورؤية وجودك الوهمي بعين عميتك، فلو خالفـت هـواهـا لخرجت من سجن الكائنات إلى فضاء شهود المكوّن، وتنفتح حينئذ عين بصيرتك فتشهدك عدمك لوجوده فيفنى وجود الكائنات، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، وإِنْ دُمْت مع هواك طمست عين بصيرتك فلا تطمع أن تكون من أهل البصيرة، ومن انطمست بصيرته كان أعمى، ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً، وبالله التوفيق.