التقديس عند السادة الصوفية

قال الإمام الغزالي في المقصد الأسنى: 

العالم الإنساني مقدس في أصل الوضع، منزه في عين التوحيد، فالله تعالى طهر سره بلطائف القرب وطهر عقله بأنوار الشهود وطهر روحه بأنوار المخاطبة وطهر نفسه بحقائق الجنة وطهر قلبه بأنوار الإيمان. فأما طهارة الأسرار فهي ثلاثة أقسام: طهارة من الأكوان لأن الأسرار لطائف لا نسبة لها مع الأكوان وذلك بصفاء الوقت. الثاني: طهارة من ملاحظة الترك للأكوان لأن الملاحظة للمتروك فراغ بعض خاطر لنفس غائب وذلك شهود الأمر من الله تعالى .

والثالثة: طهارة الفناء وهو التقديس الأعلى فتستغرق في بحار العظمة وأنوار الذل كما كانت أول مرة وذلك باستكمال الأمر والذهاب في عين الجمع جمعاً، وهذه مقامات الصديقين والمقربين، ... وأما تقديس الروح فهو على ثلاثة أقسام :

الأول: الثبوت على المشاهدة في عالم النفخة الأولى من حقائق الأسماء وكيف اتصلت بحقائق اللوح والقلم الذي هو مبادىء الجبروت الأعلى والملكوت إلا أنها وذلك ببقائها على عهد الإجابة الذرية والتلبية النورية .

والثاني: قبول التعليم لتفصيل الأسماء من حملها واستخراج أجزائها من كلماتها إلى تصريف العوالم القائمة بها مع ثبوت المحل بعدم التمكين وعدم التلوين وذلك غض البصيرة عن ملاحظة الأكوان ومشاهدة الأغيار بتوفية الخدمة ولزوم الحرمة .

... والثالث : قبولها من أنوار العقل بغير اعتراض ولا ملاحظة غير وذلك هو حقيقة وضعها لتتلقى من العقل أنوار تجليه وتصرفه من دونها وذلك بعدم رؤية العلائق وانقطاع العوائق وإتباع الحقائق وهذه مقامات الشهداء والأبدال وأهل المعرفة وأرباب المكاشفات.

وقال الشيخ حبيب القراماني في كتاب "سر الأسرار": 

طهارة معرفة الذّات في السّرّ: فلا تحصل إلاّ بملازمة أسماء التّوحيد في عين السّرّ بنور التّوحيد. فإذا تجلّت أنوار الذّات ذابت النفوس والعقول والأرواج وفنيت بالكليّة، فهذا مقام الاستهلاك، وفناء الفناء، وهذا التّجلّي يمحو جميع الأنوار، فبقي الرّوح القدسيّ بنور القدس ناظرا إليه، ناظرا به منه معه، فيدلّه بلا كيفيّة و لا تشبيه، فبقي النّور المطلق محضاَ، ولا يمكن الإخبار عما وراء ذلك؛ لأنّه عالم المحو، فلا يبقى ثمّة عقل يخبر عنه و لا تحوم ثمّة غير اللّه تعالى كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "لي مع اللّه وقت لا يسع فيه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل" فهذا عالم التّجريد من غير اللّه تعالى، المراد من التّجرد: فناء الكلّ من صفات البشريّة، فيبقى في عالمه متّصفا بصفة اللّه تعالى كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "تخلّقوا بأخلاق اللّه" يعني اتصفوا بصفات اللّه تعالى.

وقال الشيخ روزبهان البقلي: 

في مقام التقديس: هذا إذا كان تنكشف له أنوار قدس القدم وتقدّس سره عن رؤية كل علة ويرى مشاهدة القدوس فهيجه إلى التقديس، فيقدس اللّه تعالى جميع وجوده حتى نفى وجوده في قدس الحق فيبقى القدوس و قدسه، لا بقدس العارف، فالعارف يكون كله لسان التقديس وليس هناك تقديسه بل الحق قائما بقدسه.