قال الشيخ أيوب الخلوتي قدس سره:
اعلم أن سر الحمد وحداني النعت والأثر، لا تتكثر موارده إلا بتكثر الاعتبارات، وذلك أنه ذكر الأزل والأبد، وانطوى فيه ما بينهما انطواء كليًا، فما قام أساس الوجود الكوني إلا على نقطة الحمد الأول الذي هو تعالى أهل له، وأول نور انفصل عن هذا الحمد الحقيقة المحمدية، فظهرت على شكله، إذ هي عينه ، ثم تعددت المظاهر عن المبدأ الأول في حال بدايته واستصحبت في الإضافة عنه المدد الأسمائي الذي لم يزل ولا يزال.
فما حجب عنه إلا مشتغل بنفسه عن ربه، وإذا لم يدم العبد على الذكر لم يتجل له كشف معناه الجامع له على ربه جمعًا مكملا. وأدل الأشياء على بارئها البقاء إذا كانت الأشياء في العدم فانفلقت عن الوجود ولن ترجع إليه ابدًا، فعدمها ذاتي لها، وبقاؤها وصفي والتعريف بالصفات أتم منه، إذ الذات مجهولة بالعلم من كل موجود أوجده الحق إلا عن الحق تعالى.
ولما كان الأمر شأنا من شؤون الذات بل هو الشأن كان الخلق عن الأمر كالأثر عن الفعل، فتم النظام الوجودي الخلقي بين روح أمرية ذاتية وجسم طبيعي وصفي مؤلف من إمدادات أسمائية، أي آثار متكيفة بالقول الإلهي المنفوخ بالنفس الرحماني ، الذي هو الغيب المطلق للحق تعالى في حال توجهه إلى الحمد بالإرادة، حتى تم مراد الحق تعالى في خلقه من كمال الصورة الأكوانية، وانبعثت الرقيقة الذاتية المخبأة في علم الله في خزانة الاسم المهيمن الحق جل وعلا بالتوجه الخاص باليدين تشريفا للصنعة الآدمية، وصارت هذه الصورة الإنسانية كالروح لتلك الصورة الكونية، وإن كانت في حضرة الحق صورة الهية مخلقة كاملة بكماله تبارك وتعالى، ولذلك استخلفت وانتفخت من نفحة الرحمن جل وعلا وظهر الإنسان الكامل لظهور ربه بالصورة الأسمائية في جمعيته.
فالحمد لله الذي فضل المظهر المحمدي على سائر المظاهر، وجعل حياته سارية في الأوائل والأواخر، وختم بمن كمل له إرثه على قلوب أهل التحقيق فلا زيادة ولا نقصان في صدق ولا تصديق، وأتم كلمة رسالته الباقية بروح الله وكلمته فافهم.