صلاة العارفين بربهم - سيدي حسين بن طعمة البيتماني

قال سيدي حسين بن طعمة البيتماني:

المراد بالسبحات هو الحجب النورانية، وهي سبحات وجهه تعالى ذو الجلال والإكرام ، فإن له تعالى بجلاله سبحات وله بإكرامه سبحات وهي جمع سبحة، وهي في اللغة ما يتطوع به من ذكر وصلاة وتسبيح ونحو ذلك من كل طاعة. وقد ورد أن أنوار الطاعات حجب وجهه عزَّ وجل. ونور الذكر عام لجميعها ومهيمن على سائر سبحات الجلال والإكرام، قال تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ}، فذكره تعالى لنفسه ولعبده سبحة وجهه شاملة لأنواع سبحاته، وذكر العبد له نور حجابه.

فما دام العبد يشهد ذكره لربه تعالى، فوجه ربه متجل عليه في حجابه بسبحة ذكره كما ثبت في الحديث الصحيح: "أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني". ولا يزال العبد يذكر الله تعالى وذكره يبعده عن شهود نفسه ونسبتها ويقربه من شهود ربه حتى ينكشف عنه حجاب ذكره الله تعالى، ويتجلى له سبحة ذكر الله له، هنالك تحرق سبحة ذكر الله نسبة الأفعال والأذكار للعبد، وتظهر نسبتها للرب تعالى.

فأنت حجابك أيها الإنسان على نفسك ، وإنما ينكشف لك معنى الحديث بمراقبة وارد الذكر مع مواظبتك على أداء الفرائض والنوافل لأن العبد لا يشهد رؤية الله تعالى حتى يغيب بوارد الحق عن رؤيته لنفسه وعن رؤيته لربه أيضاً، لأن دعواه رؤية ربه دليل على بقائه مع نفسه فهو غير الحق وغير الحق لا يرى الحق، فكل عبادة تصحبها المراقبة فهي نور وهي حجاب من حجب وجهه تعالى فيحجب العبد به عن رؤية ربه عز وجل كما هو مقتضى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه ليغان على قلبي" الحديث.

فكان ذلك غين أنوار لا غين أغيار، فإذا كشف للعبد حجاب المراقبة بحيث غاب بربه عن مراقبته شهد حينئذ رؤية الله تعالى ورؤيته له محوه عن صفة نفسه بثبوت صفة ربه فيه، وهذا هو الذكر والتحقق بمقام العبودية، فأين تذهب أصحاب الأفكار والأهواء المتعلقون بالأعمال بنفوسهم لأغراضها دون صلاح قلوبهم النازلون في أسفل سافلين بأمراضهم واشتغالاتهم مع من هم بربهم في أعلا عليين ، ولا يزالون مشاهدون له في كل وقت وحين؟

فإذا دخل العبد العارف في الصلاة كبر الله تعالى على سائر الأشياء ورماها كلها وراء ظهره، يعني غاب عن شهودها وأقبل بكله على ربّه، وهي صلاة الروح الأمري، مسجدها القلب، وجماعتها القوى الروحانية، وإمامها الشوق وقبلتها حضرة الأحدية، وقراءتها المناجاة الرحمانية، وتسبيحها شهود الأسماء والصفات الإلهية، وركوعها تنزيه الحق تعالى عن مشابهة كل شيء، وسجودها الأول الفناء في الله تعالى، وسجودها الثاني الفناء عن رؤية الفناء، واعتدالها تسليم لأمر الله جل وعلا، وتشهدها معراج القلب من عالم التكوين إلى حضرة المكوّن وسلامها شهود وجه الحق بلا غير ومن ثم لم يكن للشيطان سبيل على الساجد، لأنه إذ ذاك بربّه لا بنفسه لزوال ظلال العالم من نظره.