طهر القلب من الأغيار - سيدي محمود أبو الشامات

قال الشيخ محمود أبو الشامات في شرحه على الحكم العطائية عند قوله: كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته

أقول : أي كيف يضيء قلب بمعاني الأسرار الإلهية وقد انطبعت في مرآته التي هي محل قابل لكل ما واجهه، بأن تظهر صورته في صور الأكوان يعني العلوية والسفلية، بل كل ما سوى الله تعالى، لأن فراغ مرآة القلب من تلك الصور شرط الحصول الإشراق بمعاني الأسماء والصفات، قال تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَأَرْغَب}، فلا بد من الفراغ القلبي في سلوك طريق السعادة، كما أنه لا بد من الفراغ النفسي من الشهوات.

كما قال: أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبل بشهواته.

أقول: تعجب الشيخ ، قُدّس سِرُّه، من قلب يرحل إلى الله تعالى، أي يسير سير السائرين إليه تعالى وهو مكبل موثوق ومربوط ومقيد بشهواته النفسانية. والمعنى أنه لا يمكن وصول مثل هذا القلب على الله تعالى لأن الشهوات النفسانية بمثابة السلاسل والأغلال، وهكذا يدركها المكاشف، كما أنه يدرك أن الغفلة عن الله تعالى جناية.

كما قال: أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته

أقول: تعجب الشيخ، قُدَّسَ سِرُّه، أيضاً من قلب يطمع ويؤمل أن يدخل لحضرة الملك القدوس التي لا تقبل بذاتها إلا الطاهر، وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته عن الله تعالى. واعلم أن الغفلة عن الله تعالى هو النسيان الذي هو سبب الحرمان كما قال تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}. وأما اليقظان فهو دائم الذكر لله تعالى في كل الأحيان، المستلزم لذكر الله له بمحض الجود والإحسان. قال تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ}. والحاصل أن الغفلة عن الله مانعة من دخول حضرته ، كما أن عدم التوبة عن الهفوات مانعة من فهم دقائق أسرار عظمته.

كما قال: أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته

أقول: إن هذه الحكمة دالة على أن القلب إذا طلب دخول الحضرة العلية، طولب بشرطه، فشرط الإشراق محو صور الأكوان، وشرط السير انطلاقه عن قيود شهواته، وشرط دخول الحضرة المقدسة الطهر من غفلاته، وشرط فهم دقائق الأسرار التوبة من هفواته، فافهم.