في معنى القلب - سيدي مؤيد الدين الجندي

قال الشيخ مؤيد الدين الجندي، في كتابه نفحة الروح: 

اعلم أيها العزيز، نوّر الله قلبك بنور تجلّيه، وأداره في أطوار عنايته وولايته، وعصمك من الإعراض عنه، أن للعلماء والمشايخ المتقدمين مقالاتٍ كثيرة في حقيقة القلب، وكلُّ تلك المقالات جارية بحسب علومهم ومقاماتهم.
فقد قال الإمام الغزالي وكثير من كبار العلماء والحكماء: إن الروح والقلب والجان والنفس الناطقة ألفاظ مترادفة تدل على حقيقة واحدة. وأما الذي يقتضيه مشرب الكمال، المستفاد من الذوق، والكشف، والتحقيق، والشهود الصحيح الصريح، فهو أن القلب القلب هو محل التجلي، وعرش الاستواء الإلهي، ومقام تنزّل الحق وتدلّيه. والقلب عبارة عن أحدية جمع خصائص الروح الإنسانية وخصائص وحقائق الهيكل الجسماني؛ فهو هيئة جامعة بين الحقائق الروحية الإنسانية وبين الحقائق والقوى الجسمانية وخصائصها ولطائفها. 
وبيان ذلك أن الحق سبحانه وتعالى، بكمال قدرته، جمع بين النفس الناطقة، وهي روح رحمانية لطيفة بسيطة نورانية شريفة حية واحدة، وبين هذا الهيكل الترابي الكثيف المظلم المركب. فسرت خواص كل واحد من الجوهرين في الآخر، وحصل امتزاج معنوي ومزاج روحي بين خصائصهما، حتى اجتمعت خصائص كل منهما مع بقاء حقيقة كل واحد منهما، فنتج عن ذلك مزاج قلبي كامل جامع.  ومن هذا المزاج تظهر أحوال مختلفة: فقد يظهر القلب بصورة الروح وخواصها، فيتنزه تنزهًا تامًا عن الخصائص الطبيعية وآثار الجسم، ويتبرأ من الأوساخ والكدورات الظلمانية ظاهرًا وباطنًا، وقد يظهر أحيانًا بخصائص الصورة البشرية وهيئاتها، فلا يتميز عن سائر الناس إلا بالشخصية، وقد يبلغ مقامًا يصير فيه مستغرقًا في الحق، إما في مقام إثبات الاثنينية من جهة المعية، وإما في مقام اضمحلال الاثنينية في الوحدة المحضة، ومقام فناء المظهر مع بقاء الأحدية الإلهية.
وحقيقة قلب الإنسان الكامل قلبٌ يتقلّب مع الحق، وفي الحق، وبه، وله دائمًا. ولذلك يتسع حتى يسع تجليات الحق، مع أن السماوات العلوية وعوالم الأرواح، ولا الأرض الجسمانية السفلية، لا تسعها. فالقلب ليس هو الروح وحدها، ولا النفس وحدها، ولا تلك المضغة الصنوبرية التي يسميها بعض العارفين قلبًا، بل هو أحدية جامعة لجميع القابليات والخصائص الروحية والجسمانية والإلهية والذاتية. فافهم هذا السر إن كان لك قلب، أو ألقِ السمع، يرزقك الله الإيمان، ثم الإحسان، ثم الشهود، وأنت شهيد.