قال الشيخ نجم الدين دايه الرازي في كتابه منارات السائرين:
اعلم أن حقيقة الروح لا تنجلي إلا لأرباب السلوك والسائرين إلى الله تعالى، فإنهم لما عبروا عن النفس وصفاتها ووصلوا إلى حريم القلب عرفوا النفس بنور القلب المنور بنور الذكر، ولما عبروا بالسير عن القلب وصفاته ووصلوا إلى مقام السر عرفوا بعلم السر القلب، وإذا عبروا عن السر ووصلوا إلى عالم الروح عرفوا بنور الروح السر، وإذا عبروا عن عالم الروح ووصلوا إلى منزل الخفي عرفوا بشواهد الحق الروح، وإذا عبروا عن منزل الخفي ووصلوا إلى ساحل بحر الحقيقة عرفوا بأنوار مشاهدات الجمال الخفي، وإذا أفنوا بسطوات تجلي صفات الجلال عن أنانية الوجود ووصلوا إلى لجة بحر الحقيقة كوشفوا بهوية الحق تعالى، وإذا استغرقوا في بحر الهوية وأبقوا ببقاء الألوهية عرفوا الله بالله ووحدوه حين وجدوه، هذا أوان إراءة ماهية كل شيء كما هي، هذا وقت {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}.
فحينئذ يتحقق للعبد مقام "كنت له سمعاً وبصراً ولساناً ويداً ومؤيداً، فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش". ففي هذه الحالة لا يبقى لمعرفة الروح خطر عند من هذه أحواله.
فإذا علمت هذا فاعلم أن الروح لطيفة ربانية، وهو أول شيء تعلقت القدرة بإيجاده في أمر كن، وإنما قلنا إنه رباني لاختصاصه بالإضافة إلى الحضرة الربانية قوله تعالى: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن روحي}. ثم اعلم أن الروح الذي تعلقت به القدرة بأمر كن أولاً هو روح النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: "أول ما خلق الله روحي" وفي رواية: "نوري" وفي رواية "أول ما خلق الله العقل" وفي رواية "أول ما خلق الله القلم".
فهذا المخلوق الأول هو مسمى واحد وله أسماء مختلفة فبحسب كل صفة فيه سمي باسم آخر، وقد كثرت الأسماء والمسمى واحد وهو الأصل وما سواه تبع، فلا ريب أن أصل الكون كان النبي لقوله في الحديث القدسي: "لولاك لما خلقت الكون" فهو أولى أن يكون أصلاً وما سواه أولى أن يكون تبعاً له ، لأنه كان بالروح بذر شجرة الموجودات وهي سدرة المنتهى، فكما أن الثمرة تخرج من فرع الشجرة كان خروجه إلى قاب قوسين أو أدنى، ولهذا قال: "نحن الآخرون السابقون" أي الآخرون بالخروج كالثمرة، والسابقون بالخلق كالبذر، فيلزم من ذلك أن يكون روحه صلى الله عليه وسلم أول شيء تعلقت به القدرة وأن يكون هو المسمى بالأسماء المختلفة.
فالروح هي نفسه صلى الله عليه وسلم وقد قال في الحديث: "من عرف نفسه فقد عرف ربه" وذلك أن الله لما خلق آدم وبنيه جعلهم الله خلفاء في الأرض كما قال: {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ}. فمن شرط الخلافة أن يكون المستخلف مجتمع أوصاف المستخلف بالخلافة إلا ما اختص به المنوب بالأصالة، مثل القدم والأحدية والصمدية والكبرياء، فالروح خليفة الله وهو مجتمع صفاته الذاتية كالحياة والقدرة والسمع والبصر والكلام والعلم والإرادة والبقاء، والجسد خليفة الروح، وهو مجتمع صفاته التي باجتماعها في الروح علمنا أنه خليفة الله، وبذلك علمنا أن الجسد خليفة الروح، لأنا وجدنا الجسد قبل اتصال الروح به وبعد انفصاله عنه خالياً عن هذه الصفات، فلما تعلق الروح به وجدنا فيه هذه الصفات علمنا أنه بخلافة الروح اتصف بهذه الصفات ولو لم يكن الروح متصفاً بهذه الصفات لخلافته الحق تعالى لم يكن الجسد بها متصفاً، فبقي أن الروح باق أبداً والجسد فان فافهم.