أنت الحجاب على نفسك - سيدي على بن موسى الباني الكردي

قال الشيخ الأكبر في حكمه: "حجبت عنه بك، ولو فنيت عنك به رأيته معك".

وشرحها الشيخ علي بن موسى الكردي بقوله: فقال: أي: سترك الله بحجاب هو نفسك أي: رويتها بأن جعلك رائيًا ومشاهدًا لوجودك، فصارت رؤيتك حجابًا لك عن رؤيته، فأنت الحجاب والمحجوب؛ لأنه تعالى لا يصح أن يكون حجابًا ولا محجوبًا؛ لأنه المظهر لكل شيء، والظاهر بكل شيءٍ، وفي كل شيءٍ، ولكل شيءٍ، وقبل كل شيءٍ، وبعد كل شيءٍ، وعند كل شيءٍ، وليس معه شيءٍ، وهو مع كل شيءٍ وأقرب إليك من كل شيء فمن تجليه ظهور كل شيء، وأنت عدم {الله خالق كل شيء}فالكل منه وبه وإليه {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} كان الله ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان. فمن العجب أن يكون العدم حجاب العدم، وأن يظهر الوجود في العدم، والنور في الظلمة وقد كان ذلك؛ لأن ظهور النور يكون بالظلمة كما أن ظهورها بالنور، لكن بظهور النور تنعدم الظلمة وبظهورها يستتر النور، وفي الحقيقة لا يظهر بالنور إلا النور، فظهور الوجود بالوجود لا بالعدم .

فالله الله لا موجود إلا الله، بل الوجود هو الله والأشياء صور الوجود، وصورة الشيء ما به يدرك الشيء أو يحس، فصح أن الله تعالى خلق العالم على صورته، وخلق آدم على صورته فما دمت أنت احتجبت عنه ولا تراه (ولو فنيت عنك به رأيته معك) أي: ولو فنيت أيها السالك الطالب المريد لرؤيته تعالى عن وجودك وإرادتك بأن ظهر في قلبك نور من مصابرة الأعداء، والمرابطة على ثغر القلب ليلاً يدخل فيه الغير.

كما وقع للسلطان أبي يزيد البسطامي قُدِّس سرَّه حيث صار حاجبًا على باب القلب عشرين سنة، ومنع ما سواه تعالى من الدخول فيه، فحقًا يقوّى ذلك النور فيفنيك عن وجودك الذهني، ولكن ليس هذا بنفسك، بل به تعالى أي: بإفنائه الأزلي ومن استعدادك الأصلي؛ لأن الفناء اختصاص إلهي غير كسبي حاصل للعين الثابتة في حضرة العلم من الفيض الأقدس الحاصلة به العين، واستعدادها فإذا فنيت عنك بإفناء الحق إياك يفصفى لك الإقبال على الرب، فإذا صفى الإقبال تغيب عن وجودك العين أيضًا ولوازمه فيمتليء قلبك من نور التوجه فيستره عن رؤية ما سواه تعالى، ثم يسري من الباطن إلى الظاهر، فيعمُّ أجزاء الظاهر فيتشابهان، وحقًا يخلو قلبك من كلِّ شاغل، وإذا خلى قلبك من الشاغل رأيته معك.