الحضور مع الكمال في تجلي الجلال - سيدي أبو بكر البناني

قال سيدي أبو بكر البناني في رسائله:

اعلم أن القدرة الإلهية تغني بلا سبب وتعطي بلا طلب لكن الحكمة اقتضت ربط الأسباب بالمسببات عادة وحكمة والأمور العادية قد تتخلف، فاحذروا أخذها بما فتحت من التلوين فإن الفقير لا يعرف رأس ماله إلا عند التلوين، كما قال بعض إخواننا في الله: "عند تجليات الجلال تعرف الرجال من الأطفال".

فاعرفوا إخواني ربكم في جميع التجليات ولا تكونوا كأصحاب حديث التحول الذين لا يعرفون من الله إلا العلامة، وأما المعلوم فإنهم في حجاب عنه لأنهم أنكروه أولاً وأقروه ثانياً، والمنكور هو المقرور وكل ذلك إنما صدر منهم لوجود الحجب. فإياكم ثم إياكم أن تجهلوا حكمة ما أظهر الله في الوقت من الجلال الصوري فإنه ما ترك من الجهل شيئاً من أراد أن يظهر في الوقت غير ما أظهر الله فيه، والملك لله وحده إن الأرض الله يورثها من يشاء من عباده لا يسأل عما يفعل، كل يوم هو في شأن، وهو سبحانه الآن في أمور يبديها لا يبتديها وقد جف القلم وطويت الصحف وما بقي إلا السجود. وقد قال تعالى: {يَا بَنِي ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِد}، وزينة العبد هي حلة العبودية فالزموها عند كل تجل يقتضي من العبد السجود لأحكام الباري سبحانه واقرعوا باب الله بالدعاء عبودية وإقامة لشعائر الشريعة في تفريج ما عمَّت به البلوى، إذ الدعاء لا ينافي سلب الإرادة، إذ دعاء العارف بالله إنما هو عبودية لله لسانية إذ ذاك حظ اللسان من معرفة الله.

وعليكم بدوام الجمع ودوام ذكر الله يرحمكم الله بحفظ بواطنكم من طوارق الأغيار بالمحافظة على أورادكم إذ هي مفتاح ربحكم وهي في شريعة السير والسلوك بمنزلة الصلاة فمن تحافظ عليها فهو لما سواها أحفظ ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع والله يهدينا إلى سواء السبيل.