قال الشيخ عبد الرحمن العسكري البيرامي في مرآة العشق:
قالوا: أعظم الأصنام هو النفس. فإذا سلك الدرويش الصادق طريق تهذيب النفس وتحطيم أصنامها، تخلص من تشتت التفرقة وتوجه إلى جمع التجليات. وإذا مال، حتى إلى شهوة حلال، لم ينل ذوق المعرفة. وكل درويش بلغ التوحيد بالعشق، وحصلت له الوحدة بالفيض الإلهي، لا يجد بعد ذلك لذة في نعيم الجنة ولا راحة في متاع الدنيا، إذ ليس له قرار إلا بالله.
شعر:
القلب الذي ألف العشق لا يطلب روحًا ولا محبوبًا، ولا يلتمس دواءً للألم.
من شرب من كأس العشق على يد الأولياء حاز الحياة، فلا ميل له إلى حياة زائلة
طالبو الرؤية، ما حاجتهم إلى جنات الفردوس؟ لا يلبسون حُلَل الديباج، ولا يطلبون حورًا ولا غلمانًا
من كان درّة المعنى في بحر المعرفة لا يقيم في عالم الماء والطين، ولا يطلب بحر المحيط
من جال في عالم الأرواح بالعشق لا يقيم في العالم السفلي، ولا يطلب مُلكًا خرابًا
مُلك الوحدة مقام أرباب العشق ومنزلهم، لا يشتهون تخت السلطنة
أهل الوجد في خلوة {أينما تولوا فثم وجه الله} لا يطلبون ضجيج أهل الدنيا، ولا عجيج أهل الآخرة
إذا تدفق الفيض، امتلأ لوح القلب بأسرار العشق دائمًا، والعارف عبدٌ محض، لا يطلب ديوانًا آخر.
والعارف الحق هو من كان حراُ في باطنه وإن كان محبوسًا في عالم الصورة؛ خلوة الروح عنده روضة جنان، وروضة الدنيا سجن. ولا سيما من ذاق معنى قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَه}.
شعر
ما أقلّ حظّ الإنسان في السجن، لا يكون فيه فرحًا لحظة واحدة.
بلاء وغصّة وغمّ ووجع ومحنة، هذا هو تعب عالم التقييد
الدنيا سجن لأرباب العشق، والجنة جحيم لأصحاب العشق
تجلّي الوحدة مطلوب أهل العشق، حتى يجدون العاشق والعشق والمعشوق ذاتاً واحدة
الفقير الحقيقي قد انقطع بالكلية عن متع الدنيا ولذّات الآخرة. فالعشق والمحبة هما فيض الأنوار وتجلي جمال وجه الحبيب. السالك الكاشف للأسرار يدور في هذه الدوائر.
يضرب الموج شاطئ البحر الذي لا نهاية له، فيظهر السرّ الكامن في النقطة
يصير دفتر الروح أمّ الكتاب، وتُنقش كل فصوله وأبوابه في لوح القلب
مدرسة العشق تفيد العم اللدني، ومن الفضل السبحاني تظهر حقيقة التوحيد
يفيض العلم الأزلي إلى الأبد، ومن ذلك تستمد المعارف الربانية
الأولياء لا يقصرون في الطاعات كلها، لكنهم لا يحسبونها ولا يقولون: فعلتُ كذا. بل يعملون امتثالًا للأمر الإلهي، فإذا رأى أحدهم تقصيرًا في مؤمن، نظر إليه بعين التوقير، ورأى نفسه غاية في الضآلة، فلا يعترض، بل ينظر بعين الاعتبار إلى قوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ}.